أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
63
العقد الفريد
كان علي بن أبي طالب إذا دخل بيت المال ونظر إلى ما فيه من الذهب والفضة قال : ابيضّي واصفرّي وغرّي غيري * إني من اللّه بكلّ خير ودخل رجل على الحسن بن أبي الحسن البصري فقال : يا أبا سعيد ، أنهم يزعمون أنك تبغض عليّا ؟ قال : فبكى الحسن حتى اخضلّت لحيته ، ثم قال : كان علي بن أبي طالب سهما صائبا من مرامي اللّه على عدوه ، وربانيّ هذه الأمة وذا فضلها وسابقتها ، وذا قرابة قريبة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لم يكن النّومة « 1 » عن رسول اللّه ، ولا الملولة في ذات اللّه ، ولا السّروقة « 2 » لمال اللّه ؛ أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة ، وأعلام بينة ، ذلك عليّ بن أبي طالب يا لكع . يوم الجمل أبو اليقظان قال : قدم طلحة بن عبيد اللّه ، والزبير بن العوام ، وعائشة أم المؤمنين البصرة ؛ فتلقاهم الناس بأعلى المربد ، حتى لو رموا بحجر ما وقع إلا على رأس إنسان ؛ فتكلم طلحة ، وتكلمت عائشة ، وكثر اللغط ؛ فجعل طلحة يقول : أيها الناس ، أنصتوا ! وجعلوا يرهجون ولا ينصتون ، فقال : أف ! أف ! فراش نار وذباب طمع ! وكان عثمان بن حنيف الأنصاري عامل عليّ بن أبي طالب على البصرة ، فخرج إليهم في رجاله ومن معه ؛ فتواقفوا حتى زالت الشمس ، ثم اصطلحوا وكتبوا بينهم كتابا : أن يكفوا عن القتال حتى يقدم عليّ بن أبي طالب ، ولعثمان بن حنيف دار الإمارة ، والمسجد الجامع ، وبيت المال ؛ فكفّوا . ووجه علي بن أبي طالب الحسن ابنه ، وعمار بن ياسر ، إلى أهل الكوفة يستنفرانهم ، فنفر معهما سبعة آلاف من أهل الكوفة ؛ فقال عمار : أما واللّه إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة ، ولكن اللّه ابتلاكم بها لتتبعوه أو تتبعوها .
--> ( 1 ) النّومة : الكثير النوم . ( 2 ) السروقة : الذي يسرق كثيرا .